القاضي عبد الجبار الهمذاني

191

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإذا صحّ أن تحدث الإرادة ولا نريدها ، وان لم يصح ذلك في المراد ، فيجب القضاء بمثله في القديم تعالى . على أن ما ذكرناه يصحح ذلك ويكشف عن علته ، وذلك أن الداعي إلى المراد يدعو إلى ارادته ، لأن المراد انما يفعل لأمر يخصه من نفع أو دفع ضرر ، عاجلا أو آجلا . والإرادة انما تفعل لأجل مرادها ، لأنها كالتابع له ، فصار تعلقها بالمراد في أنه يغنى عن إرادة تتعلق بها بمنزلة المراد إذا أريد ، لأن الّذي به تصير الإرادة حكمة حال مرادها ، وبذلك تغيير جنسها ، كما أن المراد يصير حكمه ، إذا تناولته الإرادة على بعض الوجوه . فإذا صح ذلك ، وكان المراد بكونه مرادا يستغنى عن أن يراد بإرادة أخرى ، فالإرادة بتعلقها بالمراد ، يجب أن تستغنى عن الإرادة . على / أنه لو وجب أن يريد الإرادة كما يجب ذلك في المراد لأدى ذلك إلى اثبات إرادات لا نهاية لها . فإذا بطل ذلك ، وجب القضاء بمفارقة الإرادة للمراد في هذا الباب . ولا يمكن أن يقال يريدها ، وتنتهى الإرادات إلى إرادة ضرورية يخلقها عز وجل « 1 » فينا ، لأنه كان يجب أن يفصل بين تلك الإرادة وبين ما عداها كفصلنا « 2 » بين العلوم الضرورية وبين غيرها من العلوم المكتسبة . وفي فقد ذلك دلالة على أنا لا نريد إرادتنا أصلا . وبعد ، فلو صحّ ذلك ، لوجب أن يكون في الإرادة التي تتعلق بنا ما لا نريدها ويريدها القديم سبحانه . وذلك لا يخرج ما قلناه من أنه لا يجب أن نريد الإرادة ، كما يجب أن نريد المراد من أن يكون

--> ( 1 ) عز وجل : تعالى ط ( 2 ) كفصلنا : كما نفصل ط